الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

حوار فلسفي جيوسياسي مع د زهير الخويلدي

 تمهيد

" الفلسفة هي تساؤلات طفل بصوت كهل"

حول التغيرات الجذرية في المنطقة العربية والخريطة السياسية للتوازنات بين القوى في العالم والثورة الرقمية والإنسانية الخارقة والذكاء الاصطناعي والتحديات الايكولوجية المعاصرة والقراءة المستقبلية.
د. زهير الخويلدي هو فيلسوف وباحث أكاديمي تونسي بارز، يُعد أحد أبرز الأصوات في الفكر الفلسفي العربي المعاصر. ولد في تونس، ويحمل درجة الدكتوراه في الفلسفة المعاصرة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، حيث ركز أطروحته على "تقاطع السردي والإيتيقي من خلال أعمال بول ريكور". يعمل أستاذًا جامعيا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، وهو عضو في جملة من الهيئات العلمية لعدة مجلات ومؤسسات فكرية للدراسات والأبحاث. يتقن ثلاث لغات (العربية، الفرنسية، والإنجليزية)، ويُعرف بجهوده في ترجمة ونشر الأفكار الفلسفية الغربية مع نقدها من منظور عربي إسلامي. شارك في برامج تلفزيونية مثل "القنديل"، ولديه حضور رقمي نشط على منصات مثل فيسبوك ويوتيوب، حيث يناقش قضايا فلسفية معاصرة. يُوصف د. الخويلدي بأنه "أحد أبرز المكافحين العرب المسلمين" الذين ساهموا في إثراء الفكر الفلسفي العربي الإسلامي، من خلال مقاربة كفاحية تجمع بين التنوير والمقاومة، مستلهمًا فلاسفة مثل بول ريكور، إدغار موران، وإدوارد سعيد. أعماله تشمل كتبًا مثل "معان فلسفية" (2009)، "تشريح العقل العربي الإسلامي" (2013)، و"لم نحتاج الفلسفة في زمن الذكاء الاصطناعي؟" (2025)، بالإضافة إلى مقالات عديدة تناولت فلسفة الدين، الحداثة، والترجمة. يرى في الفلسفة أداة للتحرر والتقدم، محذرًا من أزماتها الراهنة، ومؤكدًا على دورها في النقد، الاستيعاب، والتوجيه. اذ يتميز د. الخويلدي بمواقف ملتزمة تجاه قضايا الحداثة والتنوير، مستندًا إلى رؤية فلسفية تغييرية تربط بين التراث العربي الإسلامي والفكر العالمي. يرى في الفلسفة عنوان اليقظة وبوصلتها، ويؤكد أن العرب يحتاجون إليها "كحاجتهم للهواء"، لتحقيق التقدم والكونية من خلال الإبداع الفكري والحوار الثقافي. كما يُقارب د. الخويلدي الحداثة كفترة أزمة وتحول، حيث يدعو إلى "إعادة بناء الأروقة المعرفية على دعائم معاصرة"، مستلهمًا بول ريكور الذي يرى الحداثة "تقترب من تعريف نفسها عن طريق تعارضها مع نفسها عينها". ينتقد "الحداثة السائلة" و"ما بعد الحداثة"، محذرًا من رفض السرديات الكبرى والمحاكاة الساخرة، ويدعو إلى عودة إلى الأصول الفلسفية للتوفيق بين التراث والحداثة. في مقالته "عن أية حداثة تخصنا يمكن أن نتحدث حسب بول ريكور؟"، يؤكد على الحداثة كأداة للتحرر من الهيمنة الثقافية، مع التركيز على الإصلاح التعليمي وتثوير البحوث الدينية لتناسب روح العصر. يرى في الحداثة فرصة لـ"تحويل التقدم المادي إلى تقدم روحي"، خاصة في مواجهة العولمة التي ترجمت "الفشل الذريع للتنوير الصناعي". على هذا النحو يُعتبر التنوير محورًا في فكر د. الخويلدي، حيث يدعو إلى "نقد المجتمع وتنوير الحشود وتدريب الناس على إيجاد حلول لمشاكلهم بأنفسهم". يفرق بين دور الفيلسوف كموجّه نقدي والكاهن كمستشار، ويؤكد أن التنوير يحقق التقدم ويجعل "كل خطوة إلى الخلف أمرًا غير معقول". في مقاربته الفلسفية للتنوير والتراصف والمقاومة، يراه كإحياء للفكر العربي الإسلامي عبر الهرمينوطيقا والفينومينولوجيا، لتحرير العقل العربي من الاستبداد الداخلي والسيطرة الخارجية. يدعو إلى تنوير عقلاني من خلال إصلاح التعليم، إنسانية الخطاب الديني، ودمج الفلسفة في المناهج لمكافحة التطرف. يقول: "نحن في عصر يسير نحو التنوير"، ويؤكد أن الفلاسفة العرب ساهموا مباشرة في تشكل التنوير الغربي، مقترحًا محاور مثل الترجمة والحوار لإنارة العقول المستقيلة. كما يرى د. الخويلدي التقدم كعملية علمية وتقنية ضرورية، لكنه ينتقد المادية الفجة ويدعو إلى "النظرية الحيوية" كأقرب إلى المعقول، مع التركيز على السببية لتحقيق التقدم التقني. يحذر من النظريات الجبرية التي تفترض إمكانية التنبؤ بالمستقبل، ويؤكد على الاحتمالية والنمذجة. في سياق العربي، يدعو إلى ثورة ثقافية جذرية عبر التفكير النقدي والعدالة الاجتماعية، لتحقيق تقدم روحي يتجاوز المادي. يقول: "إذا كانت العولمة قد ترجمت الفشل الذريع للتنوير الصناعي، فكيف يمكن تحويل التقدم المادي إلى تقدم روحي؟"، مشددًا على دور الفلسفة في إنقاذ القيم وتحرير الحياة. يُدافع د. الخويلدي عن الكونية كدرء للتعارض بين الكلي والخاص، معتبرًا الفلسفة "علمًا بالكلي" منذ أرسطو. يدعو إلى بناء خطاب فلسفي عربي كوني يعيد إحياء مساهمات ابن سينا والفارابي، مع ترجمة فلاسفة غربيين مثل كانط وروسو للحوار الحضاري. في مقاله "صدع فكرة الكونية في ظل تفجر الصراع بين أنماط الكلي"، يناقش التنوير بين الكونية والنسبية، محذرًا من تهديدات العولمة، ومؤكدًا أن "الإنسان هو كائن آدمي مزدوج، ينخره التمزق بين الوجود في ذاته والوجود لذاته". يرى في الكونية أداة للتعارف العادل والتضامن الإنساني، خاصة في مواجهة الهشاشة الإنسانية والأزمات البيئية، مع التركيز على الدين كعامل سواسية عالمي. في المجمل، يمثل د. زهير الخويلدي نموذجًا للفيلسوف الملتزم الذي يجمع بين النقد والأمل، مساهمًا في بناء جسر بين الشرق والغرب لتحقيق استنارة عربية حديثة.
في هذا الحوار التقييمي، يتم طرح أسئلة دقيقة مستمدة من التحولات الراهنة في المنطقة العربية خلال عام 2025، معتمدًا على تحليلات فلسفية وجيوسياسية. أصور إجابات د. زهير الخويلدي كإجابات موسعة ومسترسلة، مستوحاة من أسلوبه الفلسفي الذي يجمع بين النظرية والواقع، مع التركيز على مفاهيم مثل الثورة المعرفية، التوازنات العالمية، والتحديات الإيكولوجية. الحوار يربط التغييرات الجذرية بمواضيع أوسع مثل الثورة الرقمية، الإنسانية الخارقة، والذكاء الاصطناعي.
السؤال الأول: د. الخويلدي، كيف تفسرون التغييرات الجذرية في المنطقة العربية خلال 2025، مثل ما يحدث في سوريا والسودان واليمن والصومال وليبيا، والتحولات في لبنان وغزة، من منظور فلسفي جيوسياسي؟ هل تمثل هذه التغييرات نهاية لـ"الاستعمار" والاستبداد ودخولًا في عصر استنارة جديد؟
الإجابة:
أيها السائل، إن التغييرات الجذرية في المنطقة العربية خلال عام 2025 ليست مجرد حوادث تاريخية عفوية، بل هي تجليات لديالكتيك هيغلي يعبر عن صراع القوى الاجتماعية والجيوسياسية نحو تركيب جديد. أما في غزة، فإن اتفاق وقف الحرب بعد "حرب الـ12 يومًا" واستهداف قادة حماس في قطر يشير إلى إعادة رسم الحدود، مع دفع الفلسطينيين نحو الأردن وسيناء، مما يعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية. فلسفيًا، هذه التغييرات تذكرنا بأفلاطون في "الجمهورية"، حيث يخرج السجناء من المغارة إلى النور، لكن الألم الناتج عن التكيف يولد صراعًا جديدًا. الاستنارة هنا ليست كانطية بحتة – خروج من القصور العقلي – بل هي ثورة معرفية تغييرية، تتطلب إعادة بناء الهوية العربية بعيدًا عن الدوغمائية السياسية والاستعمارية. ومع ذلك، في ظل التوترات الإقليمية، قد تؤدي هذه التحولات إلى مزيد من الفوضى حيث تتنافس بعض القوى الدولية والمحاور الاقليمية التابعة على امتلاك التحكم والنفوذ في المنطقة العربية.
السؤال الثاني: في سياق الخريطة السياسية العالمية، كيف تؤثر هذه التغييرات العربية على توازنات القوى بين الولايات المتحدة، الصين، روسيا، وإيران؟ هل نرى تحولًا نحو نظام متعدد الأقطاب يعزز الإنسانية الخارقة؟
الإجابة:
التغييرات في المنطقة العربية ليست معزولة عن السياق العالمي؛ إنها جزء من إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية، حيث يتراجع الهيمنة الأمريكية تدريجيًا أمام صعود الصين وروسيا. في 2025، أدى ضعف إيران – مع أزمة اقتصادية حادة ووقف برنامجها النووي جزئيًا – إلى إعادة توازن القوى، مع توسع اتفاقيات إبراهيم لتشمل موريتانيا وعمان، مدعومًا من السعودية والإمارات لمواجهة الفراغ الإيراني. الولايات المتحدة، تحت إدارة ترامب الثانية، تعزز تحالفاتها مع إسرائيل والخليج، لكن الصين تكسب أرضًا من خلال استثماراتها في الطاقة والتكنولوجيا، كما في اتفاقها مع إيران. روسيا، بدورها، تحافظ على نفوذها في سوريا رغم السقوط، مستفيدة من الفوضى لتعزيز دورها كوسيط. هذا التوازن يشير إلى نظام متعدد الأقطاب، حيث تبرز "الإنسانية الخارقة" كمفهوم نيتشوي – الإنسان الذي يتجاوز حدود الطبيعة عبر التكنولوجيا. في المنطقة، يعكس ذلك رؤية 2030 السعودية، مع إصلاحات اجتماعية مثل تمكين المرأة وزيادة السياحة، تحولًا من الاقتصاد النفطي إلى المعرفي، لكن مع مخاطر الاستبداد الرقمي. الإنسانية الخارقة هنا ليست تحررية، بل قد تكون أداة للسيطرة، كما في استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة الاحتجاجات في المغرب أو السعودية.
فلسفيًا، يتطلب هذا التوازن ثورة معرفية لتجاوز الاستعمار الجديد، حيث يصبح الإنسان العربي "خارقًا" عبر الابتكار لا التبعية.
السؤال الثالث: كيف تندمج الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي في هذه التغييرات، خاصة مع تنويع الاقتصادات الخليجية وتحديات الاستدامة الإيكولوجية؟
الإجابة:
الثورة الرقمية في 2025 هي محرك رئيسي للتغييرات الجذرية، حيث تحول المنطقة العربية من اقتصاد نفطي إلى رقمي، كما في نمو الإمارات والسعودية بنسبة 5.1% و4.6% على التوالي، مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي والتنويع.
الذكاء الاصطناعي يعزز "الإنسانية الخارقة"، كما في استخدامه للكشف العلمي والروبوتات، لكنه يثير مخاوف من فقاعة استثمارية وفقدان وظائف. فلسفيًا، يذكرنا هيدغر بـ"التقنية كإطار"، حيث يحول الذكاء الاصطناعي الإنسان إلى مورد، خاصة في مواجهة التحديات الإيكولوجية مثل ذروة الانبعاثات وأزمات المياه في إيران والمغرب. في المنطقة، يتطلب التنويع استدامة، كما في المبادرة السعودية الخضراء، لكن الفجوات في التمويل تعمق التوترات بين الشمال والجنوب. الثورة الرقمية، إذن، هي سيف ذو حدين: تحرر معرفي أو سيطرة جديدة، يتطلب ثورة فلسفية لضمان أن تكون أداة للاستنارة لا الاستغلال.
السؤال الرابع: ما هي التحديات الإيكولوجية المعاصرة في المنطقة، وكيف ترتبط بتلك التغييرات الجذرية؟ هل يمكن للثورة المعرفية أن تواجهها؟
الإجابة:
التحديات الإيكولوجية في 2025، مثل الجفاف بسبب انحباس تساقط الامطار وتزايد مخاطر الشح المائي و ربما حدوث الفيضانات نتيجة التغيرات المناخية الكارثية واستخدام غير المدروس لتقنية الاستمطار، تتفاقم مع التغييرات السياسية، حيث يؤدي الصراعات في الدول العربية إلى استنزاف الموارد. في شمال أفريقيا، يعاني الساحل من "دوامة ايكولوجية" تزيد من المشاكل البيئية على غرار التلوث والاختناق والتصحر والانجراف مما يعيق امكانية الإصلاحات، بينما يدفع الاحترار الكوكبي إلى هجرة جماعية.
فلسفيًا، هذه التحديات تذكرنا بميرلو-بونتي في فينومينولوجيا الإدراك، حيث يلتقي الجسد بالعالم عمليًا، لكن الثورة المعرفية – كتغيير جذري في الوعي – يمكن أن تواجهها عبر الابتكار الرقمي، مثل إزالة الكربون في الخليج. ومع ذلك، بدون توازن اجتماعي، قد تؤدي إلى استعمار إيكولوجي جديد. الاستنارة الحقيقية تكمن في دمج الإنسانية الخارقة مع الاستدامة، لتحويل الظلام الإيكولوجي إلى نور معرفي.
ماهي قراءتكم المستقبلية في نهاية 2025 و بداية 2026 بين آفاق التحولات العالمية والإقليمية؟
الإجابة:
مع نهاية عام 2025، يبرز عام 2026 كعام انتقالي حاسم، يجمع بين فرص النمو الاقتصادي المعتدل والتحديات الجيوسياسية المتصاعدة، مدفوعًا بتسارع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتصاعد الضغوط الإيكولوجية. هذه القراءة المستقبلية تستند إلى تحليلات خبراء اقتصاديين وجيوسياسيين حديثة، تتوقع نموًا عالميًا يتراوح بين 2.8% و3.2%، مع هبوط ناعم للاقتصادات المتقدمة، لكن مع مخاطر من التوترات التجارية والتغير المناخي. يبدو أن الاقتصاد العالمي يشهد نموا قويا مع مخاطر تجزئة ويتوقع خبراء مثل غولدمان ساكس ومورغان ستانلي نموًا عالميًا بنسبة 3.1-3.2% في 2026، مدعومًا بانخفاض التضخم وتخفيضات الفائدة من البنوك المركزية. الولايات المتحدة قد تشهد تسارعًا إلى 2.6% بفضل التحفيز المالي، بينما الصين تحافظ على 4.5-5% رغم أزمة العقارات. أما الأسواق الناشئة، فتتجاوز 4%. ومع ذلك، تشكل التعريفات الجمركية الأمريكية تحت إدارة ترامب الثانية خطرًا رئيسيًا، قد تؤدي إلى إعادة توجيه التجارة وتجزئة الاقتصاد العالمي. في المنطقة العربية، قد يستفيد الخليج من استقرار أسعار النفط، لكن التوترات الإقليمية تهدد الاستثمارات.
من الناحية الجيوسياسية يحدث تصعيد مخاطر مع فرص ديبلوماسية ويُتوقع عام 2026 عامًا من التوترات المتزايدة، خاصة في الشرق الأوسط، حيث قد يشهد يقظة في إيران أو تصعيدًا مع إسرائيل. الصراعات في غزة وسوريا ولبنان قد تستمر، مع ضغوط على الاستقرار في السودان واليمن بسبب المنافسة السعودية-الإماراتية. عالميًا، المنافسة الأمريكية-الصينية على التكنولوجيا والمعادن النادرة ستشتد، مع إمكانية قمة بين ترامب وشي جين بينغ حول تايوان. في أوروبا، الضغط على أوكرانيا مستمر، بينما يبرز كأس العالم الفيفا2026 (في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك) كحدث يعزز الوحدة الثقافية رغم التوترات. من هذا المنظور تتراوح الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي من التبشير إلى التقييم وسيكون 2026 عام "التقييم" للذكاء الاصطناعي، مع انتقال من النماذج الكبيرة إلى الوكلاء الاذكياء الذين يؤدون مهام معقدة بشكل مستقل. توسع خدمات الروبوتاكسي (مثل وايمو) وتكامل الذكاء الاصطناعي في الاكتشاف العلمي (فيزياء، كيمياء، بيولوجيا) متوقع، لكن مخاوف من فقاعة استثمارية وتأثير على الوظائف ستبرز. السيادة الرقمية ستكتسب زخمًا، مع دول تسعى للاستقلال عن الشركات الأمريكية الكبرى. أما التحديات الإيكولوجية فتحوم حول ذروة الانبعاثات مع مخاطر متزايدة ورغم توقع ذروة الانبعاثات العالمية، ستشتد الظواهر المتطرفة (موجات حر، جفاف، فيضانات)، مع تسريع استنزاف المياه الجوفية وفقدان التنوع البيولوجي. عام 2026 قد يشهد تقدمًا في إزالة الكربون والطاقة الحرارية الأرضية، لكن الفجوات في التمويل المناخي ستعمق التوترات بين الشمال والجنوب العالمي. في المنطقة العربية، أزمات المياه في إيران والمغرب العربي ستكون حادة. لذلك يعد عام الفرص المختلطة بالمخاطر بداية 2026 ستكون امتدادًا للتحولات الجذرية في 2025، مع نمو اقتصادي مرن لكن هش أمام الجيوسياسية والمناخ. الذكاء الاصطناعي والأحداث الرياضية الكبرى قد توفر دفعة إيجابية، لكن الاستقرار يعتمد على إدارة التوترات التجارية والإقليمية. في المنطقة العربية، فرص الإعمار غزة ممكنة إذا نجحت الديبلوماسية. عام يدعو إلى الحذر والتكيف السريع. فمتى تشرق الشمس على المنطقة العربية والاسلامية وتستفيق الشعوب من سباتها؟ وهل ستشهد السنة الميلادية الجديدة 2026 تحقيق هذه الآمال؟
كاتب فلسفي

 

هل نعتمد عل ذواتنا لكي نكون سعداء؟، د زهير الخويلدي

 

مقدمة

كثيرًا ما نفكر فيما سيحدث إذا فزنا باليانصيب وأصبحنا مليونيرًا: نتخيل أنفسنا سعداء، نسافر إلى أركان العالم الأربعة ونسترخي بجوار حمام سباحة جميل في كل الفصول. لسوء الحظ، الفوز في اليانصيب ليس من اختصاصنا. إنها الصدفة التي ستقرر مصيري المستقبلي. وبما أن فرصي ضئيلة للغاية (لدي فرصة واحدة فقط من بين عشرة ملايين للفوز)، فإن هذا السيناريو الجميل الذي أشعر بالسعادة فيه (على الأقل ظاهريًا) يكاد يكون مستحيلًا.فهل من المعقول أن أعهد بسعادتي إلى الصدفة، خاصة عندما تكون فرصي ضئيلة للغاية؟ ألا يجب أن أحاول أن أهيئ الظروف لسعادتي بنفسي؟ أليست السعادة تأتي، وليس من ظروف خارجية ليس لي سيطرة عليها، من حالة ذهنية، من موقف عام، من مجموع السلوكيات التي يعتمد عليّ في تنفيذها أم لا؟ بمعنى آخر: هل إرادتي هي أساس سعادتي، أم ليس لها أي تأثير عليها؟

1.الرغبة تمنعنا من أن نكون سعداء - شوبنهاور

لمعرفة ما إذا كان الأمر يعتمد علينا لنكون سعداء، علينا أن نعرف ما هو "نحن". ما هو الانسان؟ لن نتمكن من معرفة ما إذا كانت السعادة في متناول الإنسان إلا من خلال الحصول على رؤية أفضل لماهية الطبيعة البشرية. لكن الإنسان في الأساس كائن ذو رغبة. إنها الرغبة التي تدفعني إلى القيام بهذا العمل أو ذاك. إذا ماتت الرغبة، فسنظل خاملين، محرومين من أي سبب للتصرف. أرغب في الحصول على تلك الكعكة الشهية الموجودة على النافذة؛ أريد تقبيل هذه الفتاة الجميلة التي تلفت انتباهي، أريد العمل للحصول على وظيفة مثيرة للاهتمام، وما إلى ذلك. لسوء الحظ، هذه الديناميكية، هذه القوة الموجودة فينا والتي هي الرغبة، لا تعتمد علينا من ناحية، ومن ناحية أخرى تقودنا حتماً إلى التعاسة. الرغبة لا تعتمد علينا، لأنها تركز على الأشياء أو الأشخاص الذين نعرف جيدًا أنهم يضرون بنا: أعلم أنه ليس من الجيد بالنسبة لي أن ابتلاع قطعة الشوكولاتة هذه، ومع ذلك سأفعل ذلك، مدفوعًا برغبتي. يرغب.

إن الرغبة تؤدي حتما إلى التعاسة، لأنها نادرا ما يتم إشباعها: وبالتالي فإنها تغرقنا في حالة من الإحباط الدائم. وعندما يشبع يؤدي بنا إلى الملل. وفي كل الأحوال، فإنه يقودنا إلى سوء الحظ. وهذا ما يؤكده شوبنهاور، في العالم كإرادة وكتمثيل:كل الرغبة تأتي من حاجة، أي من الحرمان، أي من المعاناة. الرضا يضع حدًا له؛ ولكن مقابل رغبة واحدة يتم إشباعها، يتم إحباط عشر رغبات على الأقل؛ ثم إن الرغبة طويلة ومطالبها تتجه إلى ما لا نهاية؛ الرضا قصير ويتم قياسه ببخل. لكن هذا الرضا الأسمى هو في حد ذاته ظاهري فقط؛ الرغبة المُرضية تفسح المجال فورًا لرغبة جديدة؛ الأولى خيبة أمل معترف بها، والثانية خيبة أمل لم يتم التعرف عليها بعد. إن إرضاء عدم وجود رغبة يمكن أن يوفر رضاًا دائمًا وغير قابل للتغيير. إنها مثل الصدقات التي تُلقى على متسول: فهي تنقذ حياته اليوم لإطالة بؤسه حتى الغد. طالما أننا مستعبدون لدافع الرغبة، وللآمال والمخاوف المستمرة التي تثيرها فلا توجد لنا سعادة دائمة ولا راحة. بدون راحة السعادة الحقيقية مستحيلة. وهكذا فإن موضوع الإرادة يشبه إكسيون المرتبط بعجلة لا تتوقف أبدًا عن الدوران، والدانيد الذين يسحبون دائمًا لملء برميلهم، وتانتالوس العطش إلى الأبد. وبالتالي فإن الرغبة تغرقنا في ألم لا نهاية له، والذي لن ينتهي إلا عندما نموت. ولهذا السبب يقارن شوبنهاور حالتنا بحالة الأبطال اليونانيين المحكوم عليهم بالعذاب الأبدي في الجحيم اليوناني. نرى أن السعادة لا تعتمد علينا. بما أننا بشر، أي كائنات راغبة، لا يمكننا أن نعرف السعادة، ومن ناحية أخرى، فإن هذا الميل الذي يقودنا إلى التعاسة، أي الرغبة، لا يعتمد علينا. نحن ضحايا حالتنا، وطبيعتنا البشرية. ومع ذلك، يمكننا أن نتساءل عما إذا كانت الرغبة ليست مجرد نزعة إنسانية يمكن موازنتها،  بالإرادة. ألم نقلل من قوة الإرادة؟ ألا يمكن أن يمنح هذا الإنسان السيطرة المطلقة على أهوائه؟ وتقوده السيطرة إذن إلى السعادة؟

2. السعادة تعتمد على إرادتنا: الرواقية

إرادتنا هي ما يعتمد علينا بشكل أساسي. بالطبع، الظروف الخارجية خارجة عن إرادتنا: لم أختر أن أولد في هذا البلد، في هذا الوقت، في هذه العائلة. الزلزال الذي حدث في ذلك اليوم وغير حياتي لم يكن نتيجة لقراري. معظم الأحداث التي حدثت في حياتي ليست نتيجة إرادتي. ومع ذلك، فإن إرادتي لها دور حاسم تلعبه، ويعتمد علي وحدي: أنا من أقرر المعنى الذي أعطيه لهذه الأحداث. وكما يقول إبكتيتوس في دليله: ما يزعج الناس ليس الأشياء، بل الأحكام التي يصدرونها بشأن هذه الأشياء. وبالتالي، فإن الموت ليس شيئًا يدعو للخوف، لأنه حتى بالنسبة لسقراط، لم يبدو الأمر كذلك. لكن الحكم الذي نصدره على الموت بإعلانه مخيفًا، هذا هو المخيف. تعتمد أحكامنا على شيء واحد فقط: إرادتنا: فهي في سلطتي المطلقة. يمكن للطعنة أن تصل إلى جسدي، ولا يمكن أن تصل إلى روحي. ما سيؤثر على روحي هو فقط الحكم الذي سأصدره على هذه الطعنة. إذا اعتبرت أن الموت ليس شرًا، فلن أشعر بالتعاسة. وكما يشير ماركوس أوريليوس في كتابه أفكار لنفسي: الأشياء لا تصل إلى الروح، بل تظل محصورة في الخارج، ولا تنشأ المشاكل إلا من رأيها بها. فيكفي إذن أن أعلق حكمي، أو أن أطرح أحكاما إيجابية فقط، تحفظ صفائي، وسأكون دائما سعيدا: فاكبت رأيك، ومثل السفينة التي تضاعف مسارها، ستجد الهدوء البحار، الهدوء التام، الخليج بدون أمواج. ومن ناحية أخرى، يمكن لإرادتي ضبط الرغبة، بحيث لا أهتم إلا بالأشياء التي تعتمد علي. لذلك لن أشعر بعد الآن بالتعاسة بسبب الظروف الخارجية التي لا تتوافق مع ما توقعته، ولكن ليس لدي أي سلطة عليها. وهذا هو سر السعادة كما قدمه إبكتيتوس:بعض الأشياء تعتمد علينا، والبعض الآخر لا يعتمد علينا. ما يعتمد علينا هو أحكامنا، وميولنا، ورغباتنا، ونفورنا، وبكلمة واحدة كل ما هو عمل روحنا؛ وما لا يعتمد علينا هو الجسد، والثروة، وشهادات الاعتبار، والمناصب العامة، وبكلمة واحدة كل ما ليس من عمل أرواحنا. ما يعتمد علينا هو، بطبيعته، حر، بلا عائق، بلا تناقض؛ ما لا يعتمد علينا هو غير متسق، عبد، خاضع للعوائق، غريب. تذكر إذن أنك إذا اعتبرت ما هو بالطبيعة عبدًا حرًا، واعتبرت ما هو ملك للآخر باعتباره لك، فسوف تغضب، وسوف تنوح، وسوف تضطرب، وسوف تهاجم وتهاجم الآلهة والناس؛ ولكن إذا كنت تعتبر ما هو لك فقط، وإذا كنت تعتبر ما هو في الواقع ملك لشخص آخر، فلن يقيدك أحد أبدًا، ولن يمنعك أحد، ولن تلوم أحدًا. لن تتهم أحداً، ولن تفعل أي شيء ضد إرادتك على الإطلاق، ولن يؤذيك أحد؛ لن يكون لك عدو، لأنك لن تعاني من أي ضرر. الإنسان مسؤول عن أحكامه، مما يجعله حرا. لكن ألا نستطيع أن نمد هذه المسؤولية وهذه الحرية؟

3. الإنسان هو الحرية، وبالتالي فهو مسؤول مسؤولية كاملة

نحن نعلم أن إغراء تجنب المسؤوليات أمر عظيم. هذا ممكن إذا كنا عالقين في الحتمية المطلقة ، لأنه في هذه الحالة، لا يمكن أن يعزى إلي أي شيء يحدث لي. كل حدث ما هو إلا نتيجة لسلسلة من الأسباب التي لم يكن لي سيطرة عليها. ليس لدي أي مسؤولية. ولكن إذا بدأنا من فكرة أننا أحرار، فإن الحتمية تظهر فقط كنظرية لسوء النية، تم وضعها لتجنب مسؤولياتنا. هذه هي فكرة سارتر. بالنسبة للوجودية، فإن ما يؤسس لحرية الإنسان هو أنه الكائن الوحيد الموجود. الوجود هو امتياز للإنسان. الأشياء لها جوهر محدد: وظيفة، مظهر، مادة. لا يمكنها الخروج. الإنسان حرية، أي أنه في الأصل لا شيء، ويستطيع أن يقرر ما سيصبح عليه. يمكنه اختيار مهنته والبلد الذي سيعيش فيه وما إلى ذلك. ما يقوله سارتر في الوجودية كنزعة إنسانية هو أن الوجود يسبق الماهية. إن سكين الورق هو في نفس الوقت شيء يتم إنتاجه بطريقة معينة وله، من ناحية أخرى، منفعة محددة؛ ولا يمكننا أن نتخيل رجلاً سينتج أداة افتتاحية للرسائل دون أن يعرف الغرض الذي سيتم استخدامه من أجله. لذلك، سنقول إن الجوهر، بالنسبة لقاطع الورق، أي مجموعة الوصفات والصفات التي تجعل من الممكن إنتاجه وتحديده، يسبق الوجود. إذا كان الله غير موجود، فهناك كائن واحد على الأقل يسبق الوجود فيه الجوهر، كائن موجود قبل أن يمكن تعريفه بأي مفهوم وذلك الكائن هو الإنسان  ماذا يعني هنا أن الوجود يسبق الجوهر؟ جوهر؟ وهذا يعني أن الإنسان يوجد أولاً، ثم يلتقي بذاته، ثم يظهر في العالم، ثم يحدد نفسه بعد ذلك. الإنسان، كما يتصوره الوجودي، إذا لم يكن قابلا للتعريف، فذلك لأنه أولا وقبل كل شيء لا شيء. ولن يكون إلا فيما بعد، وسيكون كما كان.

وبالتالي، لا توجد طبيعة بشرية، لأنه لا يوجد إله يصممها. فالإنسان ليس فقط كما يتصور نفسه، بل كما يريد نفسه، وكما يتصور نفسه بعد الوجود، كما يريد نفسه بعد هذا الاندفاع نحو الوجود؛ الإنسان ليس سوى ما يصنعه بنفسه.وفي هذه الحالة نحن مسؤولون عن كل ما يحدث لنا، بما في ذلك سعادتنا. الأمر متروك لنا أن نكون سعداء. ولهذا السبب أيضًا تم انتقاد قسوة الوجودية:"يمكننا أن نفهم لماذا تروع عقيدتنا عددًا معينًا من الناس. لأنه غالبًا ما يكون لديهم طريقة واحدة فقط لدعم بؤسهم، وهي التفكير: "كانت الظروف ضدي، وكنت أفضل بكثير مما كنت عليه؛ لقد كنت أفضل بكثير مما كنت عليه؛ لقد كانت الظروف ضدي". بالطبع، لم يكن لدي حب كبير، أو صداقة عظيمة، ولكن هذا لأنني لم أقابل رجلاً أو امرأة تستحق ذلك، ولم أكتب كتبًا جيدة جدًا، بل لأنني لم أفعل ذلك. ليس لديك أي وقت فراغ للقيام بذلك؛ لم يكن لدي أطفال لأكرس نفسي لهم، وذلك لأنني لم أجد الرجل الذي كان من الممكن أن أقضي حياتي معه. لذلك تبقى في داخلي، غير مستخدمة وقابلة للحياة تمامًا، مجموعة من الاستعدادات والميول والإمكانيات التي تمنحني قيمة لا تسمح لنا سلسلة أفعالي البسيطة باستنتاجها. ولكن، في الواقع، بالنسبة للوجودي، لا يوجد حب آخر غير ما يتم بناؤه، ولا توجد إمكانية للحب سوى ما يتجلى في الحب؛ ليس هناك عبقرية غير تلك التي تعبر عن نفسها في الأعمال الفنية: عبقرية بروست هي مجمل أعمال بروست الإنسان يلتزم بحياته، ويرسم شخصيته، ولا يوجد شيء خارج هذا الشكل. ومن الواضح أن هذا الفكر قد يبدو قاسيا بالنسبة لشخص لم ينجح في الحياة.

خاتمة

لذلك نرى أن الأمر متروك لنا لنكون سعداء. وهذا ما سندركه إذا توقفنا عن الاحتماء بسوء نيتنا، بإنكار حرية الإنسان، وهي حقيقة أولى وواضحة. وهذا بدوره يمنحنا المسؤولية الكاملة عن وجودنا، وبالتالي عن السعادة التي تنتظرنا في هذه الحياة. فمتى تصبح السعادة واقعا متحققا بالنسبة لنا ولغيرنا؟

كاتب فلسفي

يقظة الذات التربوية بين التمايز التعليمي والحق في الاختلاف التدريسي، مقاربة بيداغوجية ، ترجمة د زهير الخويلدي

 

تمهيد

من المعتاد الإعلان عن أن الجهود الرامية إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على الدراسات من المحتمل أن تستقر. ومن الشائع أيضًا أن نسمع أولئك المستهدفين بهذه الطريقة يدافعون عن أنفسهم ضد مثل هذه النية. ومع ذلك، فمن طبيعة الإجراءات التعليمية المتساوية أن تهدف إلى تجانس مهارات الطلاب، جزئيًا على الأقل. وبطبيعة الحال، فإن التسوية هي طموح دعاة المساواة، وتحقيقًا لهذه الغاية يريدون في نهاية المطاف توجيه التمايز التعليمي. فما نعني بالتسوية في المجال التربوي؟ وما المقصود التمايز التعليمي؟

"لقد جادل بيرينود (1995) منطقيًا بأن "العمل التربوي لا يختلف أبدًا". بالنسبة له، “هناك نوع من عدم المساواة في المعاملة التعليمية. لكن لها جانبا مزدوجا، أو إن شئت، آثارا متناقضة: – فمن ناحية، التمايز يأخذ في الاعتبار عدم مساواة الطلاب من زاوية الاستعدادات المثقفة ورأس المال الثقافي المربح أكاديميا، في محاولة لتصحيحه، للتعويض. من أجل ذلك من خلال استثمار تعليمي أو علائقي أكثر استدامة مع الأقل حظًا ؛ - ومن ناحية أخرى، هناك عدم مساواة في المعاملة أقل قبولا وأقل رقابة مما يزيد من عدم المساواة في التعليم وبطريقته الخاصة يفضل الأكثر حظا". في الواقع، هذا التمييز سبق أن كشفه بيرزيا (1982) الذي، في كتابه "أصول تدريس النجاح"، يقارن بين الاستراتيجيات التعليمية التي لها وظيفة، وعلى أي حال، تأثير تضخيم الفروق الفردية (تضخيم منظور الاختلافات) وبين الاستراتيجيات التي تهدف إلى الحد منها (المنظور الاختزالي للاختلافات). وهو تمييز مماثل قام به ليجراند (1995) عندما كتب: “التمايز. يمكن أن يكون للتدريس معنيان متكاملان. وفي جميع الأحوال، يتعلق الأمر بمراعاة الواقع الفردي للطالب. ولكن يمكن القيام بهذا الاعتبار في ضوء هدفين مختلفين: إما أن يتعلق الأمر بتكييف التدريس مع الوجهة الاجتماعية والمهنية للطلاب؛ وإلا، إذا تم تحديد وعرض هدف مشترك، فمن المناسب أن نأخذ في الاعتبار التنوع الفردي لتحقيقه” . ويهدف هذا الشكل الثاني من التمايز التعليمي إلى تحقيق المساواة في التحصيل، أي تسوية مهارات معينة بين طلاب المدارس.

هل يجب أن نسير في التعليم ضد الفوارق الطبيعية؟

في وقت مبكر من عام 1967، ميز كرونباخ أربع استراتيجيات للتكيف التعليمي مع الفروق الفردية: - تكييف الأهداف مع الفروق الفردية: وهذا هو الحال عندما يتم تقديم خيارات مختلفة للطلاب بناءً على اهتماماتهم و/أو مهاراتهم. كما سيتم وضع التدريس الانتقائي في هذه الفئة؛ – تكييف الأساليب وفقاً لأنماط التعلم: وهنا نفترض أن هناك طرقاً للتعلم مختلفة ومتكافئة في نفس الوقت. بالإضافة إلى ذلك، نفترض أن الطلاب يتميزون بأسلوبهم الخاص والمستقر. ومن خلال تكييف المواقف التعليمية مع طرق تعلم الطلاب، فإننا نوفر لكل منهم ظروف التدريس المثالية؛ - تكييف وقت التعلم: هنا يكون البرنامج والأهداف ثابتة، لكن مدة التعلم متغيرة؛ - التكيف بالتدريس التصحيحي: يمكن التمييز بين شكلين رئيسيين اعتماداً على ما إذا كانت الإجراءات التصحيحية تطبق في البداية أو أثناء التدريس. وباستخدام المفردات التي قدمها بلوم (1979) سنقول إننا في الحالة الأولى نهدف إلى تحديد المتطلبات الأساسية التي لا يتقنها البعض ونقدم لهم دورة تنشيطية، وفي الحالة الثانية سنتحدث عن التقييم التكويني ولإجراءات التصحيحية.

من الواضح أن استراتيجية التمييز الأولى التي ميزها كرونباخ (1967) تأتي من منظور تضخيم الاختلافات: فالأمر لا يتعلق بتكييف التدريس مع خصائص الطلاب لتحقيق مجموعة من الأهداف المشتركة، بل يتعلق بإتاحة فرص لأساليب تعلم مختلفة للطلاب دون أخذ بعين الاعتبار. للقيام بذلك، نقوم بإنشاء قطاعات مختلفة؛ وهو ما يعني تقديم مسارات تعليمية مختلفة للطلاب الذين يفترض أنهم يتميزون بقدرات مختلفة. ومع ذلك، بمجرد أن نقترح مسارات تعليمية مختلفة، يجب علينا حتماً اختيار الطلاب أو، للحفاظ على "الصواب السياسي"، لتوجيههم. سوف نتفق على أنه إذا سعينا لتحقيق أهداف مختلفة مع طلاب مختلفين، فمن المحتم أن نولد تأثيرات مختلفة. هناك العديد من الأبحاث التي تؤكد هذا التوقع. باختصار، يؤدي التمييز بين الأهداف حتماً إلى تضخيم الاختلافات. إن الهدف من تكييف الأساليب، وظروف التدريس على نطاق أوسع، وفقًا لأساليب التعلم، هو الحد من عدم المساواة في النتائج. ومع ذلك، فهو يتطلب فرضية قوية على المستوى النفسي: ستكون هناك طرق مختلفة للتعلم. وقد قام رويتشلين بتحليل صحة هذه الفرضية النفسية في كتابين هما: الفروق الفردية في النمو المعرفي للأطفال (1989) والفروق الفردية في المدرسة (1991). ومن هذا المخزون البحثي الرائع سنسلط الضوء على العناصر التالية: يبدو، في نهاية المطاف، أننا لا نستطيع استبعاد فرضية وجود مكون عام للذكاء، والذي لا يستبعد وجود قدرات محددة من الدرجة الثانية. تطور التحليلات العاملية للقدرات، وأبحاث بياجيه والبياجيين الجدد بالإضافة إلى علم النفس المعرفي التفاضلي يتقاربان نحو "نموذج هرمي للعمليات التي تلعبها سلوكيات التكيف العامة: غالبًا ما يتم ترك الفروق الفردية التي يمكن ملاحظتها في هذه السلوكيات "تشرح" من خلال التدخل المشترك للعمليات التي تقدم مستويات مختلفة من العمومية”. وبعبارة أخرى، إذا كانت هناك قدرات محددة، أي طرق لفهم الواقع تختلف نوعيا بين الأفراد، فهناك - أولا وقبل كل شيء - قدرة عامة، أي إجراءات معالجة المعلومات المشتركة بين جميع الأفراد، فيما يتعلق والتي نلاحظ فيها ما يسمى بالفروق الكمية أو الكيفية: حيث يستخدم البعض هذه الإجراءات بمهارة أكبر من غيرها، مما يؤدي إلى اختلاف درجات النجاح في المهام وبسرعات تطور مختلفة. فيما يتعلق بالأساليب المعرفية (الاستقلال/الاعتماد على المجال، الانعكاسية/الاندفاعية) فمن المهم أولاً التأكيد على أنها مرتبطة بحاصل الذكاء. علاوة على ذلك، نلاحظ أن المواضيع المصنفة على أنها مستقلة عن المجال و/أو عاكسة (غالبًا ما يبدو البعدان مرتبطين) تحصل عمومًا على نتائج أكاديمية أفضل في الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا والهندسة المعمارية من تلك العناصر المعتمدة والمندفعة. ومن ناحية أخرى، لا نجد أي عمل يوضح أن الموضوعات المعتمدة على المجال و/أو المندفعة ستكون أفضل من الموضوعات المستقلة و/أو العاكسة في بعض التخصصات الأخرى. بشكل عام، من الصعب الحفاظ على الفرضية القائلة بأنه لا يوجد تسلسل هرمي بين الطرق المختلفة لفهم الظواهر . علاوة على ذلك، يبدو أنه "في كل مهمة، تكون بعض العمليات أكثر فعالية من غيرها ويكون التطور أسرع، فيما يتعلق بتلك المهمة، للأفراد الذين لديهم العمليات الأكثر فعالية أو الذين يتعلمون بشكل أسرع لتفضيلهم" . وبعبارة أخرى، ينبغي الاعتراف بأن هناك مشاكل أو مهام ذات طبيعة مختلفة نوعيا، وأنه في مواجهة أي مشكلة، يجب على الفرد أن يبحث عن عملية المعالجة المعرفية الأكثر ملاءمة بالنظر إلى الخصائص الهيكلية للمهمة. ومع أخذ ذلك في الاعتبار، فإن ما يحتاج الآن إلى دراسته هو تفاعل "نوع المهمة – العملية المعالجة المعرفية".  الفروق الفردية في طريقة تعلمنا ومعالجة المعلومات قابلة للتعديل، على الأقل ضمن حدود معينة لم تُعرف بعد. بعد إدراك وجود وإمكانية تعديل إجراءات معالجة المعلومات العامة التي يتقنها جميع الطلاب بدرجات متفاوتة بالإضافة إلى طرق التعلم المختلفة نوعيًا، فمن المهم التساؤل عن كيفية إدارة هذه الحقائق على المستوى التعليمي. وهكذا، وفقًا لرويتشلين (1991)، فإن السؤال هو ما إذا كان ينبغي لنا أن نسعى لتعليم الأطفال الأساليب الأكثر فعالية بشكل عام أو نحاول تكييف التدريس المقدم لكل طفل مع الأساليب التي يستخدمها بشكل تفضيلي ). في مواجهة هذه المعضلة، كانت الإجابة التي قدمها كلاباريد (1920) في الماضي واضحة: يجب تكييف طرق التدريس وفقًا لخصائص الطلاب. وفي رأيه، كان لهذا آثار مهمة على التنظيم التعليمي. وأوصت بإنشاء أنظمة تعليمية فردية أو إنشاء مجموعات من الطلاب متجانسة من حيث قدراتهم الفكرية. كان الضرر الذي يُخشى حدوثه من المجموعات التي تجمع الطلاب ذوي القدرات غير المتجانسة واضحًا. في كتابه المدرسة، تعليمات الاستخدام ، طور ميريو (1985) وجهة نظر معارضة. دعونا نقتبس: "إذا وضعنا أنفسنا من وجهة نظر المتعلم، فإننا نكتشف أن التمييز في أصول التدريس، المرتبط بوضع مسارات بشكل منهجي يتوافق مع إمكانيات الطالب، يمكن أن يؤدي إلى تجاوزات. فالطفل الخجول أو الذي يعاني من ضعف في اللغة الشفوية يخاطر بأن يقتصر على التمارين الكتابية: فمن المؤكد أنه سيتقدم في الرياضيات أو الجغرافيا، لكنه لن يتغلب على العوائق التي ستظل تعيقه طوال حياته. سيتم تقديم أوراق عمل شخصية أو مقابلات شخصية مع المعلم للطلاب الذين يستفيدون من المواقف الفردية، والتي سيكون لها ميزة مراعاة المواقف التي يشعرون فيها براحة أكبر، ولكنها لن تساعدهم بالضرورة في التعلم، وهي ضرورية، وفي الاستماع والاستمتاع بالقراءة الانفرادية. إن تكوين المواقف التفاعلية، على أساس تجانس القدرات، المشروعة لتجنب ظاهرة الاضطهاد أو استبعاد النظام الاجتماعي، يمكن أن يؤدي إلى انقسامات، ويمنع التواصل بين الأفراد الذين قد يكون اجتماعهم مع ذلك مفيدًا. إن احترام وتيرة المرء الخاصة سيؤدي في حد ذاته إلى المخاطرة بتأكيد عدم المساواة: فالبعض، الذين يحتاجون في بعض الأحيان إلى العمل ببطء أكبر، سيُطلب منهم العمل بشكل أسرع من أي وقت مضى؛ أما الآخرون، الذين يجب أن يتعلموا العمل بسرعة أكبر، فسيبقون، باسم الاحترام الواجب لهم، معتمدين على إعاقة خطيرة. وهكذا نكتشف أن أساليب التدريس المتمايزة تمامًا اعتمادًا على المنهج الخاص بكل طالب، على الرغم من أن لديها فرصة السماح بالوصول إلى محتوى مدرسي متطابق تقريبًا للجميع، من شأنها في النهاية حبس الأفراد في نوع من "الملف التربوي"، وهو شكل محدد من أشكال التعليم. "التوجيه" ووتيرة العمل التي من شأنها أن تدمر أي إمكانية للتكيف بالنسبة لهم. والأكثر من ذلك، أنه سيجعلهم غير متسامحين مع أي منهج يخرج إلى حد ما عن العادات المكتسبة”. ولذلك فإننا نواجه خيارين فلسفيين متنافسين. ووفقا لأحدها، والذي دافع عنه كلاباريد (1920)، يجب علينا احترام الطبيعي، وهو ما يعني إخضاع التعليم له. ووفقا للآخر، الذي دافع عنه ميريو (1983)، فمن الضروري السير ضد الخصائص الطبيعية، وإذا لزم الأمر، الإخلال بالخصائص الفردية للتحرك في اتجاه يثري قدرة الشخص على الاندماج الفعال في مجتمعه.

الطبيعية في خدمة النخبوية

باسم مفهوم العدالة الذي يهدف إلى تحقيق الانسجام الاجتماعي مع الطبيعي، يدعو كلاباريد إلى تصميم مدرسة مصممة خصيصًا. وهو ينشر حجة في ثلاث نقاط: 1. وجود تنوع في القدرات الفردية؛ 2. ضرورة تربوية يجب أخذها بعين الاعتبار؛ 3. طريقة أخذ ذلك بعين الاعتبار والإصلاحات الواجب إجراؤها. في الجزء الأول من عرضه، يعرّف كلاباريد الكفاءة بأنها "استعداد طبيعي للتصرف بطريقة معينة، لفهم أشياء معينة أو الشعور بها بشكل تفضيلي، أو القيام بأنواع معينة من العمل (الكفاءة في الموسيقى، والحساب، واللغات الأجنبية، وما إلى ذلك)”. ثم يبدأ في اقتراح تصنيف للمهارات، التي تكون الفائدة العلمية لها محدودة لأنها تبدو مبنية على الفطرة السليمة. إن الطريقة التي يثبت بها وجود هذه القدرات التي تختلف في الكمية، وخاصة في النوعية ، لا تكاد تكون أكثر إقناعا، لأنه يكتب: "ليس هناك أي حاجة لإثبات الوجود في الإنسان، وفي الأطفال، تنوع القدرات. وهي واضحة». متسائلاً في الجزء الثاني من عرضه عن الحاجة إلى "أخذ هذه التنوعات الفردية في الاعتبار"، يقدم إجابة قاطعة على السؤال: "لسوء الحظ - أو لحسن الحظ - تظهر لنا الملاحظة أنه على الكوكب الذي نعيش فيه، يوجد فرد واحد". لا يرد الجميل إلا بالقدر الذي نستدعي فيه قدراته الطبيعية وأنه من مضيعة للوقت الرغبة في الإصرار على التخلص من القدرات التي لا يمتلكها. ألن يكون من قبيل مضيعة للوقت أن نرغب بأي ثمن في استخراج الفحم من الأراضي التي تحتوي فقط على الحديد، أو زراعة القمح في تربة لا تصلح إلا لزراعة الكروم؟ » . الاستنتاج واضح: “خلاصة القول، يجب أن نأخذ في الاعتبار تنوع القدرات، لأن الخروج ضد النوع الفردي هو ضد الطبيعة. والمخالفة للطبيعة لها عيب مزدوج: لا يوجد عائد، أو لا يتناسب العائد مع الجهد المبذول؛ ومن ثم الاشمئزاز”. هنا نواجه مثالا نقيا لعلم النفس. يجيب كلاباريد على سؤال قانوني ("ما هو العدل بالنسبة للطالب؟") بحجة الحقيقة ("يجب علينا أن نطيع طبيعة الطفل إذا أردنا الحصول على شيء منه، فهذا شرط لا بد منه". وهو يحاول بالتالي تجنب الجدل الأخلاقي أو الأيديولوجي الضروري المتعلق بالتمييز التعليمي للأفراد. في الواقع، تعتمد حجة كلاباريد الخادعة على تأكيد القانون (ضمنيًا) وعلى تأكيد الحقيقة (المذكورة صراحة). • يمكن صياغة المبدأ الأخلاقي على النحو التالي: من الصواب احترام الاختلافات الطبيعية أو عدم المساواة، وبالتالي، من المناسب إعطاء كل إنسان مكاناً في المجتمع يتوافق مع قدراته الطبيعية. • أما بيان الحقيقة فيمكن التعبير عنه على النحو التالي: إن الناس بطبيعة الحال يختلفون باختلاف قدراتهم؛ هذه فطرية في الأساس. ومن خلال القيام بذلك، يحدد عالم النفس التربوي الجنيفي، من خلال مدرسته المصممة خصيصًا، النموذج المثالي الذي يقوم عليه التعليم الجديد، وذلك دون تقديم أي دليل تجريبي على التأكيد الواقعي الذي بموجبه سيكون من غير المجدي الذهاب إلى ضد التعليم الجديد النوع الفردي. من غير المجدي بالنسبة له أن يجادل حول تأكيد الحقوق: في بداية القرن العشرين، انتصرت الأيديولوجية الطبيعية. ونجدها على وجه الخصوص في بينيه، وفي خطة لانجفين-والون الشهيرة، وكذلك تحت قلم البلجيكي ديكرولي. لقد كان هذا هو الوقت الذي شغل فيه الآباء المؤسسون للقياس النفسي (جالتون، بيرسون ثم فيشر) كراسي علم تحسين النسل. إن الإيديولوجية الطبيعية التي يحملها التعليم الجديد، والتي تغذيها الداروينية، لها بعض جذورها عند روسو. وفي ختام خطابه الشهير عن أصل وأسس التفاوت بين الناس، لا يدعو الأخير إلى المساواة ولا إلى تسوية الأحوال، بل يرغب فقط في أن يكون التفاوت المدني متناسبًا مع التفاوت الطبيعي في المواهب. والأهم من ذلك، أن تحليل ستاروبينسكي لهذا الخطاب يوضح أنه يقترح نظرية إلهية حيث أخذت الطبيعة مكان الله: حالة الطبيعة التي اختبرها الإنسان في أصله قريبة من الكمال؛ وبعبارة أخرى، حالة الطبيعة هي الجنة. وهكذا يؤكد روسو في بداية نصه أن الحقيقة يمكن قراءتها «في الطبيعة التي لا تكذب أبدًا. كل شيء عنها سيكون صحيحًا…”. في حالة روسو، قد يميل المرء إلى الحديث عن العدالة الطبيعية إلى حد أن ما يزعجه بشكل أساسي هو الطابع غير الطبيعي لبعض حالات عدم المساواة. في خطابه عن أصل وأسس عدم المساواة بين البشر، يمر روسو بثلاث مراحل. ويميز في الأول نوعين من التفاوت: "نوع يمكن أن يسمى طبيعيا أو جسديا، لأنه مقرر بالفطرة، وهو اختلاف الأعمار والصحة وقوة البدن وصفات العقل أو التفاوت الروحي"؛ والآخر يمكن أن نسميه عدم المساواة الأخلاقية أو السياسية، لأنه يعتمد على نوع من التقاليد، ولأنه تم تأسيسه أو على الأقل تفويضه بموافقة الناس. وهذا يتألف من الامتيازات المختلفة التي يتمتع بها البعض على حساب الآخرين، مثل أن يكونوا أكثر ثراءً أو شرفًا أو أقوى منهم، أو حتى أن يكونوا مطاعين”. ثم يندد بالتفاوتات الاجتماعية. إنه لا يعترف بأن الإنسان الأفضل تكوينًا بطبيعته، جسديًا أو أخلاقيًا، يوضع تحت سلطة كائن حقير ومنحط. وأخيرًا، فهو يسعى إلى إظهار "مدى عدم المساواة، حتى لو كان طبيعيًا، بعيدًا عن أن يكون له نفس القدر من الواقعية والتأثير في حالة الطبيعة" كما هو الحال في حالة الحياة الاجتماعية، أو حتى "كم يجب أن يكون الفرق بين الإنسان والإنسان أقل في حالة الطبيعة منه في حالة المجتمع، وكم من عدم المساواة الطبيعية يجب أن يتزايد في النوع البشري بسبب عدم المساواة المؤسساتية”. من الضروري التأكيد على أن هذا التفكير كان ثوريا في ذلك الوقت: من خلال المطالبة بإخضاع التفاوتات الاجتماعية والسياسية للتفاوتات الطبيعية، يتحدى روسو شرعية السلطة المرتبطة بالملكية والنبلاء، والشرعية القائمة على المولد والمبررة بمفهوم يميني للإلهة.

المساواة وحق الاختلاف

إن أي فكر مساواتي مهدد بالانحراف الشمولي الذي يسمى المساواتية. لقد أدى رفض الاختلاف إلى تغذية الاستعمار وجميع أشكال الإمبريالية الثقافية. ولذلك فإننا نتفهم قلق أولئك الذين يريدون إدخال احترام التنوع في المدرسة. وبهذا يردون على الانتقادات التي وجهها بورديو وباسيرون اللذان يتهمان المدرسة بارتكاب أعمال عنف رمزية ضد الطبقات الاجتماعية العاملة والفلاحين. فهل ينبغي إذن أن نحلم بالمساواة في الاختلاف؟ الفكرة جذابة. إنه جوهر الفكر الإنساني الذي تفتخر به مجتمعاتنا الغربية. للأسف، كل وردة لها أشواكها، وكذلك الأمر بالنسبة لهذه الفكرة الكريمة. الحق في أن تكون مختلفًا يمكن أن يخفي موقفًا أبويًا. فهل الصيغة مجرد قناع الخير الذي يزين الخطاب غير المتكافئ تجاه من لديهم مواهب أقل؟ لا يمكننا، في الواقع، أن نتجاهل التحذير الصحيح الذي وجهته إلينا سيمون دي بوفوار عندما نددت، في تعاملها مع حالة المرأة، بمزالق معظم الخطابات التفاضلية. وإذ تشير إلى أن هذا المفهوم قد طرح بالفعل فيما يتعلق بمسألة المرأة، والمسألة اليهودية، ومشكلة الأمريكيين السود، فإنها تؤكد على مدى غموضه، لأنه كثيرا ما يعمل على إضفاء الشرعية على التمييز الأكثر تطرفا. أليس من المناسب إذًا التأمل في إحدى عباراته الختامية: “أولئك الذين يتحدثون كثيرًا عن المساواة في الاختلاف سيكونون مذنبين لأنهم لم يعترفوا بإمكانية وجود اختلافات في المساواة”. باختصار، ألا ينبغي لنا أن نخشى أن نتسامح، تحت غطاء احترام الاختلافات، مع كون البعض أكثر مساواة من غيرهم؟ أو مرة أخرى، ألا ينبغي لنا أن نخشى أننا نسعى إلى استبدال مبدأ المساواة بمبدأ الاحترام المتبادل في حالة عدم المساواة؟

من القبلي ، يبدو أن هذه المخاوف يمكن تهدئتها. ما المعيار الذي يسمح لنا بإنشاء تسلسل بين الطالب القوي في الرياضيات والمتفوق في التعبير الكتابي، بين الطالب المتخصص في الفيزياء وبين الشغوف بالموسيقى، بين الطالب الذي يريد أن يصبح خبيراً في الكيمياء ومن يريد أن يصبح كهربائيًا بارعًا؟ يحتاج المجتمع إلى كل هذه الخبرات ويبدو من المناسب أن ندرك أن الجميع لديهم نبلهم. ومع ذلك، مع بيرينود (1995)، يجب أن نتذكر أن "مصدر عدم المساواة ليس فقط في الاختلافات بين الأطفال، ولكن في المكانة التي تمنحها المدرسة لهذه الاختلافات وفي المعاملة التي تمنحها لهم". من خلال هذا التحليل، يعيد عالم الاجتماع في جنيف الاتصال بتيار فكري تلقى رسائل النبالة الأولى من روسو. في خطاب حول أسس وأصول عدم المساواة بين البشر، يسعى روسو إلى إثبات أن عدم المساواة بين البشر هو، في الأساس، عمل الناس أنفسهم. إنها ثمرة تجارتهم، أي أن عدم المساواة بين الناس لا توجد قبل المنظمات الاجتماعية التي قدموها لأنفسهم. الإنسان حيوان، باختياره العيش في المجتمع، ولّد عدم المساواة التي جعلته يعاني. بالنسبة لروسو، كما هو الحال بالنسبة لبيرونو، ومعه معظم علماء الاجتماع، فإن عدم المساواة بين البشر هو من أصل اجتماعي بحت. يكفي أن يجتمع الناس ويشتركون في أي مشروع لكي تنشأ عدم المساواة، ولكي يصبح المظهر أهم من الوجود، ولكي يلهب الغرور والحسد قلوب الناس، باختصار، حتى يظهر الشر. يمكننا أن نقول، بطريقة أكثر حداثة، إن عدم المساواة بين البشر هو نتاج التفاعل بين الاختلافات الموضوعية في الأداء والتمثيل الذي نقدمه لأنفسنا لهم. والأهم من ذلك، أن هذا يعني أنه من الممكن دائمًا العثور على اختلافات في أداء شخصين واعتبار أحدهما متفوقًا على الآخر. ومع ذلك، لا يمكن لأي منظمة اجتماعية أن تضمن أن جميع البشر قادرون تمامًا على نفس المستوى من الأداء. في ظل الرغبة في تحديد الأفضل وتشخيص الطلاب الذين يواجهون صعوبات، ألا يخاطر المعلمون بتضخيم أهمية السمات المميزة التي تكون عديمة الجدوى لولا ذلك؟ أما بالنسبة لأفضل الطلاب، الذين أعمتهم الهيبة التي يمكن اكتسابها من حكم التفوق الذي يصدره المعلم، ألن يتم دفعهم حتماً إلى التنافس مع زملائهم الطلاب لزيادة تفوقهم؟ ألن يشعر الأقل جودة أو الأبطأ ببعض الشعور بالمرارة، والأخطر من ذلك، الاقتناع بالنقص؟ ولا يمكن لأي نظام تعليمي أن يضمن المساواة بين الأفراد. ومن المؤكد أنه يمكن أن يولد تعلمًا جوهريًا لدى معظم الطلاب، وبالتالي الحصول على أداء جيد من جميع الطلاب. ولن تتمكن أبدا من منع بعض الناس من تحويل الاختلافات الصغيرة التي لا تزال قائمة إلى تسلسل هرمي للقيم. وهذا الخطر لا مفر منه في أي نظام تعليمي يقوم على مبدأ المساواة في الاختلاف. ويمكن الافتراض أنه أصغر إذا تم ضمان المساواة في الإنجاز للمهارات الأساسية، مع وجود اختلافات في الإنجاز فقط في المهارات ذات الأولوية الثانية. وبعيدًا عن التفكير النقدي في الآليات النفسية الاجتماعية التي تولد عدم المساواة، فإن التساؤل الأساسي الجوهري أمر ضروري. ويجري الآن تناول هذا التفكير الضروري في العديد من البلدان حيث تبذل الجهود لتحديد قواعد المهارات المناسبة لكل مستوى من مستويات التعليم. إنه يجبرنا على معالجة الأسئلة الحساسة. ما هي المهارات التي يجب أن يتعلمها جميع الطلاب بالتساوي؟ أو بمعنى آخر، ما هي المهارات التي تعتبر ضرورية؟ ما هو مستوى المساواة الذي نريده عندما يتعلق الأمر بالمهارات الأساسية (مثل القراءة أو الرياضيات)؟ ما هي درجة التنوع التي تعتبر مرغوبة؟ ما هي الاختلافات التي نطالب باحترامها؟ علاوة على ذلك، إذا بدا أن مبدأ المساواة في التحصيل قادر على فرض نفسه في المدرسة الأساسية، فإن الأمر نفسه لا ينطبق على مدرسة التخصص أو التأهيل. كيف يمكن تحديد التزام المدرسة بالعدالة منذ أن بدأت عملية تخصص الطالب وأصبحت الدورات التدريبية ضرورية؟

بمجرد أن نقترب من التدريب المهني أو مجموعة الدراسات المتخصصة في مجال معين من الخبرة، فإن المساواة في التقديم لم تعد مجموعة مشتركة من المهارات. يجب علينا بالضرورة أن ننتقل إلى فكرة العدالة: حتى لو كانت قطاعات التخصص ذات قيمة غير متساوية (سيكون من المثالية أن نأمل العكس)، سيكون من العدل أن توفر جميعها للفرد فرصة حقيقية لكسب لقمة العيش والعثور على عمل ومكان في المجتمع. ربما ينبغي لنا أن نجرؤ على أن نكون أكثر تطلبًا لهذه المدرسة المتخصصة؟ لأنه إذا كنا نتوقع أن يترك كل الأطفال المدرسة الأساسية مع إتقانهم الكامل للمهارات التي تعتبر ضرورية لكل مواطن في القرن 21، ألا ينبغي لنا أن نطلب من مدرسة التخصص تزويد كل الأفراد بمؤهلات عالية الجودة؟ وإلى جانب الحق في التعليم الأساسي للجميع، ألا ينبغي لنا أن نؤسس الحق في التأهيل للجميع؟ وحتى اليوم، يترك المراهقون مؤسسات التدريب دون الحصول على شهادة، أي بدون مؤهل مهني معترف به. هل هذا مقبول؟ ألا ينبغي أن يُطلب من المجتمع أن يمنح كل فرد من أعضائه تخصصاً مهنياً يمكن تقييمه في سوق العمل؟ إذا كان على المدرسة المتخصصة أن تعطي الأولوية لتدريب الأفراد في مجال الخبرة التي اختاروها لصالحهم، فلا يمكننا أن ننسى أن بناء المواطن يجب أن يستمر خارج قاعدة المدرسة المتخصصة. ومع ذلك، نتوقع من كل فرد يغادر مؤسسات التدريب أن يكون قادرًا على فهم البيئة الاقتصادية والسياسية والثقافية التي يجد نفسه فيها، وأن يتصرف كمواطن مسؤول، ويدافع عن حقوقه وكرامته. ولتحقيق هذه الغاية، يجب أن يتمتع، إلى جانب مهاراته المهنية البحتة، بالوسائل الفكرية ومهارات الاتصال المناسبة. ومن وجهة النظر هذه، تظل هناك مجموعة مشتركة من المهارات التي يجب على جميع الطلاب تحديدها وإتقانها. وأخيرا، فإن المدرسة المتخصصة تثير حتما مسألة شروط الوصول. ونظراً لأن المجتمع يحتاج إلى الأطباء والمهندسين بأعداد محدودة، يبدو من المشروع، في العديد من البلدان، فرض امتحانات القبول وشروط الأرقام... ما هي العدالة التي يجب أن نطالب بها فيما يتعلق بآليات اختيار الطلاب؟ ولا شك أننا سنوافق على المطالبة بأن يكون التوجيه في الدورات التدريبية المختلفة ملبياً لمتطلبات الشفافية والدقة والموضوعية. وبما أن الاختيار بين الأفراد يحدث حتما في أي نظام تعليمي، فإننا نطالب بتحديد معايير دقيقة وأن تعمل أنظمة التقييم النذير وفقا لقواعد صارمة معروفة للجميع. التعبير عن هذه الرغبات غير كاف؛ سيكون من المناسب إجراء دراسة متعمقة لكيفية بناء أنظمة توجيه تحترم مبادئ العدالة هذه، وربما مبادئ أخرى." بقلم مارسيل كراهاي

يورغن هابرماس بين الاتصال التقني والتواصل الانساني، مقاربة تداولية، د زهير الخويلدي

 

تمهيد

ساهم يورغن هابرماس، من مواليد 18 يونيو 1929 في دوسلدورف، من بين جيل الشباب من الفلاسفة الألمان، بطريقة مبتكرة في تجديد التفكير النقدي. وقد فتح نفوذها الحالي، المهيمن في ألمانيا، نقاشا دوليا واسعا. تغذى على قراءات كانط وهيجل وماركس، التي شكلتها أفكار هوركهايمر وأدورنو وماركوز، ولا يدين بشهرته فقط لإقامته في فرانكفورت (كان مساعدًا في معهد البحوث الاجتماعية من 1955 إلى 1959، وأستاذًا للفلسفة وعلم الاجتماع من 1964 إلى 1971، بعد أن بدأ مسيرته التعليمية في هايدلبرغ في عام 1961). في الواقع، وبفضل تدخلاته النقدية في العلوم الإنسانية الرئيسية، لم يكتف هابرماس بالتشكيك في الروح الوضعية والوعي التكنوقراطي الذي يهيمن عليها، ولكنه أيضًا أثرى فكره بشكل كبير. وبهذه الطريقة وضع "النظرية النقدية" لمدرسة فرانكفورت على مستوى آخر، مواجهًا تحديًا مزدوجًا: عدم التخلي عن الإلهام الماركسي أثناء ممارسة التحريفية المؤكدة؛ وهي تحرير النظرية النقدية من دينها المعرفي مع الاحتفاظ ببعدها التحرري. يعارض هابرماس تفكير أدورنو السلبي حصريًا من خلال التخلي اليوم عن النقد لصالح العمل البناء والمنهجي. لكنه أقرب إلى هوركهايمر وأدورنو إلى الحد الذي تناول فيه بدوره المشكلة التي ميزت النظرية النقدية لمدة أربعين عاما والتي تصل إلى حد التساؤل عن كيفية توضيح العلاقة بين النظرية والممارسة مع الأخذ في الاعتبار الحقائق الجديدة للرأسمالية المتقدمة. وقد خصص سلسلة من الدراسات لهذا السؤال: النظرية والتطبيق ( 1963)، حيث ينتقد، في الفلسفة الاجتماعية كما تطورت منذ هوبز، إلغاء بُعد التطبيق العملي (بالمعنى الأرسطي) لصالح التفكير التكنولوجي. علاوة على ذلك، يمكننا أن نعتبر عمله بأكمله بمثابة انعكاس لهذه المشكلة، وذلك في ثلاثة جوانب مختلفة. أولاً، يتم فحص "الجانب التجريبي" للعلاقات بين السياسة والعلم والرأي العام في الرأسمالية المتقدمة: 1968 (التكنولوجيا والعلم كأيديولوجية). ثم يتم تحليل "الجانب المعرفي" للروابط الموجودة بين المعرفة والمصالح المهيمنة: "المعرفة والمصلحة" ( 1968)، وهو عمل تاريخي ومنهجي في نفس الوقت، يطور البرنامج المعرفي للفيلسوف. وأخيرا، يتم تناول "الجانب المنهجي للنظرية الاجتماعية الذي يجب أن يكون قادرا على القيام بدور النقدي". يعتبر هابرماس عمله بأكمله، غنيًا جدًا بالفعل، على أنه يتكون فقط من سلسلة من المقدمات وأعماله العديدة التي تشير إلى العديد من المراحل الأولية لنظرية الفعل التواصلي ( 1989). ويستمر هذا التفكير في كتابي "الأخلاق والتواصل" (1983) وفي "أخلاقيات المناقشة" (1991). كان في البداية قريبًا من قادة الحركة الطلابية، واعتبر أحد مرشديهم، وأصبح منذ عام 1967 خصمًا سياسيًا لهم من خلال الدعوة إلى "الإصلاحية الراديكالية" ( 1969). وبشكل ملموس، فهو يناضل من أجل إعادة تأسيس الرأي العام الديمقراطي والنقدي. وبعد تعرضه للانتقادات بدوره، غادر فرانكفورت في عام 1971، وقبل منصب مدير معهد ماكس بلانك في شتارنبرغ في بافاريا. ثم عاد إلى الجامعة الألمانية في فرانكفورت عام 1983. فماهو تقييمه للاتصال التقني المعاصر؟ كيف عمل في مشروعه العقلاني الكوني على نقده؟ وماهي شروط امكان التواصل الانساني في عصر التقدم التكنولوجي المتسارع؟

 التقنية والتكنولوجيا

في عمله الصادر عام 1969 بعنوان "التكنولوجيا والعلم كـ"أيديولوجيا"، تناول يورغن هابرماس الظواهر المتعلقة بالتكنولوجيا والعلوم الحديثة بوضوح أكبر من غيره من الأعمال. وهو معروف بنظريته الاجتماعية، ونظريته القانونية، ونظرياته حول الذاتية والتفاعل بين الذاتية، وكان شخصية بارزة في التاريخ الفكري لأوروبا الحديثة نظرًا للدور المزدوج الذي لعبه كصوت وممثل للحركات السياسية والفلسفية في ألمانيا الغربية ما بعد الحرب وما بعد الهولوكوست. إن استكشاف دور التكنولوجيا في تفكيره يُبرز الوضع الغامض للتكنولوجيا في النظرية الاجتماعية النقدية، بالإضافة إلى العلاقة العامة بين التاريخ الفكري وتاريخ التكنولوجيا. إن السؤال المفتوح والمقلق حول ما إذا كانت التكنولوجيا نعمة أم نقمة على الحداثة قد حشد النقاد والمعلقين على الأقل منذ الثورة الصناعية، وفرقهم على المستويات السياسية والمعرفية والأخلاقية. يقع مشروع هابرماس في قلب هذه التقاليد، ومقاله الصادر عام 1968 يُحدّث المخاوف الراسخة بشأن الحداثة الصناعية بما يتناسب مع الظروف التكنولوجية والفلسفية والسياسية الخاصة ببدايات الحرب الباردة. وتتجلى نقاط التقاطع بين التكنولوجيا ومجالاته المميزة - وهي نقاط تقاطع صاغها وساهم فيها - في النظريات السياسية للتكنولوجيا والديمقراطية (على سبيل المثال، في أشكال التكنوقراطية والحتمية التكنولوجية)، ونظريات المعرفة العلمية وأهميتها لنظريات الذات المعقولة ومجتمعات المعرفة، ونظريات العلمانية وبناء الدولة الحديثة. لكن لا يُنظر عادةً إلى يورغن هابرماس كفيلسوف للتكنولوجيا. بعد عرض نقده المبكر للوعي التكنوقراطي، سنجادل بأن المشكلة الرئيسية في مفهوم هابرماس للتكنولوجيا تكمن في خلطه بين "التكنولوجيا" و"العقلانية التقنية". كما يمكن انتقاد موقف هابرماس لنزعه الطابع السياسي الضمني عن التكنولوجيا. ومن خلال التمييز بين "التكنولوجيا" و"التقنية"، سنجادل بأن موقف هابرماس لا يستبعد نظرية نقدية للتكنولوجيا. ستجمع الصورة الناشئة بين تأكيد هابرماس على أن التكنولوجيا أكثر من مجرد مشروع تاريخي، وتفاؤل فينبرغ بإمكانية إعادة توجيه تحرري للتكنولوجيا. إن تزايد القوى المنتجة التي أصبحت مؤسسية مع التقدم العلمي والتقني يتجاوز كل النسب المعروفة في التاريخ. وهنا يستمد الإطار المؤسسي إمكانياته لإضفاء الشرعية. إن فكرة إمكانية قياس علاقات الإنتاج من خلال إمكانات القوى الإنتاجية المنتشرة يتم رفضها على الفور من خلال حقيقة أن علاقات الإنتاج الحالية يتم تقديمها كأشكال تنظيمية ضرورية تقنيًا لمجتمع رشيد. تُظهر "العقلانية" بمعنى ماكس فيبر هنا وجهها المزدوج: فهي لا تكتفي بكونها مقياسًا نقديًا لحالة تطور القوى المنتجة، إنها أيضًا مقياس دفاعي يسمح بتبرير علاقات الإنتاج نفسها كإطار مؤسساتي مناسب لوظيفتها. علاوة على ذلك، فيما يتعلق بإمكانية استخدامها اعتذاريًا، يتم تخفيف "العقلانية" كمقياس للنقد ويتم تخفيضها إلى مستوى تصحيح بسيط داخل النظام: كل ما لا يزال من الممكن قوله هو أن المجتمع "مبرمج بشكل سيء". عند هذا المستوى من تطورها العلمي والتقني، يبدو أن القوى الإنتاجية تقيم مجموعة من العلاقات الجديدة مع علاقات الإنتاج: من الآن فصاعدًا لم تعد تتحرك في اتجاه إزالة الغموض السياسي للتنوير، حيث تعمل كأساس لنقد عمليات الشرعية القائمة، ولكنها تصبح هي نفسها مبادئ للشرعية.

نظرية الفعل التواصلي

يُعتبر يورغن هابرماس أحد أهم فلاسفة المجتمع عالميًا. وقد أرسى هابرماس مفهوم التواصل، الذي يُسهم في تجديد الوعي الثقافي ونقله لتحقيق التفاهم المتبادل. وفي هذا السياق، يُنشئ الأفراد شخصياتهم، ويشكلون حركةً منسقةً نحو التضامن والتفاعل الاجتماعي. وتتناول النظرية قضايا مُتعددة، منها تطوير إدراك متوازن لا يقتصر على المقدمات الفردية والذاتية للنظرية الاجتماعية والفلسفة الحديثة.

ثانيًا، ابتكر هابرماس مفهومًا مجتمعيًا ثنائي المستوى يدمج نماذج النظام مع مفهوم "عالم الحياة" للتنشئة الاجتماعية. وأخيرًا، تُعدّ نظرية الحداثة هذه نقديةً، إذ تُفسر وتُحلل أمراضها الخاصة بطريقة تُشير إلى إعادة توزيع المعايير في حالات الخلاف.  في هذا الإطار يصرح بما يلي "أسمي التفاعلات التواصلية التي يتفق فيها المشاركون على تنسيق خطط عملهم بذكاء جيد؛ يتم بعد ذلك تحديد الاتفاق الذي تم الحصول عليه على هذا النحو إلى حد الاعتراف الذاتي المتبادل بمتطلبات الصحة. عندما يتعلق الأمر بالعمليات اللغوية الواضحة للتفاهم المتبادل، فإن الممثلين، من خلال الاتفاق على شيء ما، يصدرون متطلبات الصحة أو بشكل أكثر دقة متطلبات الحقيقة أو الدقة أو الإخلاص اعتمادًا على ما إذا كانوا يشيرون إلى شيء يحدث في العالم الموضوعي (كمجموعة من الحالات القائمة)، أو في عالم المجتمع الاجتماعي (كمجموعة من العلاقات الشخصية التي تم تأسيسها بشكل شرعي داخل المجموعة الاجتماعية) أو في العالم الشخصي البيذاتي (كمجموعة من التجارب الحياتية التي يتمتع كل فرد بامتياز الوصول إليها). ولكن بينما في النشاط الاستراتيجي، يؤثر أحدهما على الآخر تجريبيا (سواء عن طريق تهديده بعقوبة أو عن طريق الوعد بالإكراميات) من أجل الحصول على الاستمرار المتوقع للتفاعل، في النشاط التواصلي، يتم تحفيز كل منهما عقلانيا من قبل الآخر للعمل بشكل مشترك، وذلك بفضل آثار الالتزام الإجرائي المتأصلة في حقيقة أن فعل الكلام مقترح." من هذا المنطلق يرتبط مبدأ يورغن هابرماس للفعل التواصلي بتباين فكرتين عن العقلانية، تُوجّهان النشاط من خلال التأثير على المعرفة. هناك ثلاثة مكونات هيكلية لـ"عالم الحياة" تتوافق مع الوظائف، وهي الثقافة، والمجتمع، والشخصية. على المستوى الثقافي، يُمثّل هذا معيارًا للوعي يُدمجه المشاركون في التواصل لأنفسهم أثناء فهمهم لشيء ما في العالم. كما تضمن النظرية ربط المواقف الناشئة حديثًا بالظروف القائمة في هذا المجال. كما تضمن استمرار اتساق وتقاليد المعرفة، وهو ما يكفي للممارسة التوافقية للاحتياجات اليومية. على سبيل المثال، يُشكّل التفاهم المتبادل بين بعضنا البعض في علاقة متبادلة تقليدًا ثقافيًا يُمارس ويُحسّن. فيما يتعلق بالمجتمع، تُطبّق أوجه القصور في التفاعل والتكامل الاجتماعي على انسجام السلوك، بينما يُرسي كلاهما، بشكل ذاتي، المعايير التي تحكم العلاقات الشخصية قانونًا. وهكذا، تُولّد النظرية الوحدة من خلال التحكم في التفاعلات بين الأشخاص من خلال التنشئة الاجتماعية. على سبيل المثال، قد ترتبط الأحداث الأخيرة بالأوضاع الراهنة في العالم. وأخيرًا، على مستوى الشخصية، تضمن النظرية تشكيل الشخصيات ذات الكفاءات التفاعلية من خلال عملية التنشئة الاجتماعية. وتخلق نظرية التواصل هوية شخصية مقبولة من خلال قدرات التواصل ضمن فترة زمنية تاريخية. على سبيل المثال، يكتسب الطفل الناشئ مهارات شاملة للعمل المجتمعي، ويتبنى قيم جماعته الاجتماعية من خلال الانخراط في علاقات مع أفراد ذوي شخصيات مختلفة. فما أهمية نظرية التواصل في المجتمع؟ في المقابل، تُعد النظرية أساسية وفعالة، إذ تلعب دورًا قيّمًا في فهم البشر. يمكن أن يساعد التواصل والتفاعل في بناء العلاقات بين المجتمعات. بالإضافة إلى ذلك، فهو يساعد على فهم الأفراد والمجتمعات والعلاقات مع الزملاء والعائلات. كما أنه يساعد في تعزيز استيعاب من لديهم نفس الهدف. وفي الإنتاج الاجتماعي، شكّلت نظرية التواصل تواصلًا للفهم الاجتماعي في المجال الثقافي، وتساهم في استدامة جميع عناصر "عالم الحياة". إن التواصل الفعال يساهم دائمًا في بناء مجتمع صحي ومثقف. علاوة على ذلك، يُحافظ على المجتمع والشخصية دائمًا من خلال إعادة الإنتاج الثقافي. وقد أدت هذه النظرية أيضًا إلى ترتيبات التنشئة الاجتماعية، والأهداف التعليمية، والارتباطات الاجتماعية، وحتى الهوية الشخصية. وتستطيع النظرية تحديد المسؤوليات، والإنجازات التفسيرية، والمخططات التفسيرية المناسبة للمعرفة القيّمة. كما أدى هذا المفهوم إلى نشوء علاقة القرابة المستقلة نتيجةً لتقدم التمييز الطبقي. وقد يكون هناك صعود في مفاهيم التنظيم الرسمي، مما قد يُسهم بفعالية في تطوير القانون في اتجاه إيجابي. لذلك، قد يكون من السهل التوصل إلى تفاهم متبادل نظرًا لوجود آلية لحل المشكلات تُكمل تفسيرات العالم بين الكائنات التواصلية. فكيف يتصور هابرماس عالم الحياة؟

مفهوم عالم الحياة

يُفسر هابرماس "عالم الحياة" بأنه الخلق الذي يتشارك فيه الأفراد مع بعضهم البعض يوميًا. في هذا السياق، يُشبه العالم تجربةً سابقةً للعمل في الفلسفة الفينومينولوجية أو العلمية. لقد أثّر عالم الحياة على المجتمع الحالي، وقد أُسندت إليه مهمة التنظيم انطلاقًا من أطروحة الاحتلال العالمي للعالم. يُطوّر هابرماس مناقشةً لعملية التشريع في مقرر التاريخ. يشير هذا المفهوم عادةً إلى تكثيف اللوائح الاحتفالية في سياق تطوير لوائح إيجابية، مما يؤدي إلى علاقات اجتماعية خاضعة لرقابة قانونية وتكثيف التشريعات التي تُفصّل المبادئ التوجيهية القانونية. علاوة على ذلك، يدّعي هابرماس أن عالم الحياة يميل إلى نبذ الأعمال المستقلة للاقتصاد والحكومة، ويؤكد أن "المعيار" يبقى القانون، الذي يقتصر على المجال الراسخ للخطاب العملي. على سبيل المثال، يذكر بعض المراسيم العائلية والمدارس التي تُغيّر الإدماج الاجتماعي وتُدار وفقًا للمعيار التوجيهي من حيث الضوابط الإدارية والمالية. لا تتطلب القواعد أي تفكير عملي، بل علاقة ايتيقية وثيقة. تشير المؤسسات القانونية، كالقوانين الجنائية والدستورية، إلى مبادئ توجيهية مُقيّمة معياريًا وخطاب أخلاقي تطبيقي، والذي لا يزال بحاجة إلى التحقق من صحته. ويمكن ملاحظة مثال واضح على تطبيق هذه الإجراءات في الازمات الصحية الحالية، التي انتشرت في كل مكان وفي كل بلد حول العالم. فماهي أشكال حضورالعقلانية التواصلية في الفضاء العمومي العالمي؟

خاتمة

لقد أكد هابرماس في نظريته للتواصل، فإن التفاعل والترابط بين الأطراف أساسيان لتحقيق التفاهم، مما يسمح للمجتمع بالتقدم. لذلك، بمقارنتها بنظرية التواصل، يدّعي هابرماس أنه مع هذا النوع من الترابط والتفاهم والتعاون، لا شيء يصعب تحقيقه. ما نستخلصه هو أن الفعل التواصلي يُعد مبدأً عالميًا لقدرة المجتمع على التعبير، وهو القواعد الأساسية والهياكل الأولية التي يُناقش فيها موضوع التعلم اللغة. كما سلّط هابرماس الضوء على مكونات نظرية التواصل، وهي الثقافة والمجتمع والشخصية. هذه المراكز الهيكلية للعالم الحي مُبسّطة مجازيًا، وتُنشأ من خلال الفعل التواصلي لتحقيق ونقل فهم الثقافة. لقد ساعدت هذه النظرية المجتمعَ لأنها تُعيد إنتاجَ الثقافة، مما ساعد على الحفاظ على جميع مقومات عالم الحياة، أي المجتمع والشخصية. وقد تحقق ذلك من خلال إيجاد شرعياتٍ للتأسيس في المجال الاجتماعي، ونمط التنشئة الاجتماعية، وأهداف التعليم للكفاءات العامة، واكتساب العمل في مجال الشخصية في عالم الحياة. يلفت الانتباه إلى موضوع أُهمل في التناول الأكاديمي لأعمال هابرماس، ألا وهو مفهوم تخفيف التواصل. ففي نظريته الحديثة في المجال العام، يُصنّف أشكالًا إعلامية مختلفة ضرورية لتنسيق مختلف أنواع الفعل الاجتماعي. ويُحدد ثلاثة أشكال إعلامية: التوافق اللغوي، وتوجيه الإعلام، والتواصل المعمم. ورغم اعتراف علماء الاتصال بأفكاره حول التوافق اللغوي، إلا أنهم أغفلوا تلك المتعلقة بتوجيه الإعلام والتواصل المعمم. وعليه، يُركز هذا التحليل بشكل أكبر على هذين الشكلين الإعلاميين الأخيرين، اللذين يندرجان ضمن المفهوم الأوسع لآليات التخفيف. وبتوسيع نطاق نظريات الإعلام لتالكوت بارسونز، يُحدد هابرماس أربعة أنواع من آليات التخفيف: المال، والسلطة، والنفوذ، والالتزام بالقيمة. يؤدي المال والسلطة وظائف توجيه إعلامية تعزز الكفاءة. أما النفوذ والالتزام بالقيمة فيؤديان وظائف تواصل معممة تعزز ليس فقط الكفاءة، بل الفهم أيضًا. وتُناقش الآثار المترتبة على النظريات المعيارية للاتصال الديمقراطي عبر وسائل الإعلام الجماهيرية. فكيف يمكن توظيف الاتصال التكنولوجي في سبيل تحقيق العدالة الكونية والمساواة بين الشعوب دون تمييز بين المجتمعات أو تمركز حضاري غربي؟

المصدر

Jürgen Habermas (1929), La technique et la science comme idéologie, Denoël, 1973, coll. Médiations,

كاتب فلسفي

 

زهير الخويلدي - مفهوم الحكمة الصينية، ماو تسي تونغ نموذجا، مقاربة فلسفية ماركسية شرقية

زهير الخويلدي - مفهوم الحكمة الصينية، ماو تسي تونغ نموذجا، مقاربة فلسفية ماركسية شرقية